عبء الإثبات في القضاء العمالي


في الواقع العملي، لا يكفي أن يكون العامل مظلومًا أو محقا في شكواه، بل يجب أن يكون قادرًا على إثبات ما يدّعيه وفقًا لما يقره النظام.
وهنا تتجلى أهمية ما يُعرف بـ عبء الإثبات في القضاء العمالي، وهو أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في مصير القضايا العمالية.

فمن يتحمّل هذا العبء؟ ومتى يُطلب من العامل إثبات دعواه؟ ومتى ينتقل العبء إلى جهة العمل؟
في هذا المقال، نوضّح المفهوم القانوني لعبء الإثبات في القضايا العمالية وفق النظام السعودي، ونُبين أهميته وخطورته، مع أمثلة واقعية .

توزيع عبء الإثبات في المنازعات العمالية

في الأصل، يسري في النظام القانوني ما يقتضي أن يكون عبء الإثبات على المُدعي؛ فالشخص الذي يطالب بشيء عليه تقديم الأدلة.

لكن نظام العمل السعودي خفف من هذا العبء على الموظف (العامل) وحملُه في كثير من الحالات على صاحب العمل لسبب عملي:

فغالب الأدلة والوثائق المتعلقة بالعمل (كالعقد وكشوف الرواتب وغيرها) تكون بحيازة صاحب العمل.

مثلاً ينصُّ نظام العمل في مادته (51) على أن ” يُعدّ عقد العمل قائمًا ولو كان غير مكتوب، وفي هذه الحالة يجوز للعامل وحده إثبات العقد وحقوقه… بجميع طرق الإثبات  “.

وهذا يعني عملياً أن العامل يستطيع إثبات وجود العقد وحقوقه الناشئة عنه بطرق عدة (إيصالات تحويل راتب، شهود، مراسلات إلكترونية، إلخ) حتى لو لم يكن العقد محرراً كتابةً.

من جهة أخرى، ألزم القانون صاحب العمل بحفظ سجلات وأوراق العمل (مادة 17 من نظام العمل)،

كما يتطلب توثيق بعض الإجراءات كتابةً (مثل توثيق تمديد فترة التجربة أو نقل العامل كتابةً).

ولذلك يُفهم من آليات التنظيم العمالي السعودية أن عبء الإثبات على صاحب العمل يترسخ في معظم الأحوال العملية، بالرغم من مبدأ الإثبات العام.

باختصار، إذا ادعى العامل (المدّعي) حقاً كالمطالبة بالأجر أو التعويض أو إثبات وجود ساعات إضافية يكفيه تقديم قرائن مقنعة للأدلة المتاحة؛

ثم يلتزم صاحب العمل بدحض ذلك بدليل يثبّت خلافه، مثل السجلات أو شهود يؤكدون دفع الأجر أو موافقة العامل على الإجراء المدعى به.

حالات شائعة في القضاء العمالي

في المنازعات العمالية يثار عبء الإثبات في العديد من الحالات، نذكر منها:

  • الفصل التعسفي (غير المشروع):

إذا طعن العامل بفسخ عقده من جانب واحد دون سبب مشروع، فإن عبء إثبات وجود السبب القانوني يقع على صاحب العمل.

أي يجب على صاحب العمل إبراز الدليل الذي يبرر الفصل (مثل جريمة ارتكبها العامل أو مخالفة جسيمة) وإثبات تحققها.

وإن فشل صاحب العمل في إثبات ذلك، يعتبر الفصل تعسفياً وواجباً عليه تعويض العامل وفق نظام العمل.

  • المطالبات المالية (الرواتب والمستحقات):

إذا طالب العامل بأجر أو بدلات أو مستحقات مالية، فعليه إثبات أساس طلبه

(مثل تسليم عقد العمل وصرف راتب، أو تحويل أجر شهري إلى حسابه).

أما إذا أنكر صاحب العمل وجود دَين أو دفع هذا الأجر، فإنه ملزم بتقديم أدلة على الدفع أو التسوية (كإيصالات الصرف أو كشوف الرواتب الرسمية).

و غالباً ما يفترض القانون ببقاء الدين للمدّعي ما لم يقدّم الخصم ما ينفيه.

  • إثبات ساعات العمل الإضافي:

عند تقديم العامل مطالبة بمقابل إضافي عن ساعات عمل إضافية، يقع على العامل في البداية إثبات أنه عمل فعلاً ساعات إضافية.

يمكن ذلك مثلاً بعرض كشوف دوام أو بيانات أجهزة الدخول والخروج، أو شهادات زملاء عمل موثوقة، أو مراسلات تطلب العمل قبل/بعد الدوام.

وإذا اعتبر صاحب العمل هذه الشهادات والدلائل غير مقنعة، فعليه تقديم دفوعه (مثلاً أن وجود جدول دوام ثابت أو سجل يثبت نهاية الدوام).

  • الإجازات السنوية أو المرضية:

إذا ادعى العامل حقه في أجر إجازة أو رصيد إجازات لم ينلها، عليه إثبات استحقاقه لذلك،

(مثلاً بمراجعة سجل الإجازات، أو إشعار من الشركة بالمنح).

إذا أنكر صاحب العمل استحقاقه، فعليه إثبات أن العامل قد استمتع بالإجازة فعلاً (على سبيل المثال بخطاب يثبت منح الإجازة).

  • التعويضات الأخرى (كالتعويض عن الفصل الجائر أو الحوادث):

تثار عادةً مسألة عبء الإثبات في القضايا التي يطالب فيها العامل بتعويضات.

في هذه الحالات يكون على العامل إثبات كسبه لهذا الحق (مثل قيام خطأ من الشركة أدى لفصله أو إصابته)،

فيما يتحمل صاحب العمل إثبات عدم مسؤوليته أو وجود سبب قانوني مباح للفصل أو الحادث.

أنواع الأدلة المقبولة في الدعاوى العمالية

تُقبل أمام المحاكم العمالية في السعودية جميع وسائل الإثبات المشروعة،

وقد صرّح النظام الجديد للأدلة والإثبات بسريانها على النزاعات العمالية أيضاً. من هذه الأدلة:

  • عقد العمل ومستنداته: كنسخة العقد المحرّر (إن وجدت)، أو أي وثيقة رسمية تثبت العلاقة الوظيفية (قرار تعيين من جهة حكومية، إشعار ترقية، إلخ). وحيث إن النظام اعتبر العقد قائمًا حتى لو لم يكتب، يمكن إثباته بالأدلة الأخرى (تحويل راتب، شهادات الشهود، مراسلات، إلخ).
  • كشوف الرواتب وبيانات صرف الأجر: تعتبر من أقوى الأدلة على دفع الأجور أو تركها. فالكشف الرسمي عن الراتب أو إيصالات القبض أو التحويلات البنكية يظهر مطلقاً مقدار الراتب وأي إضافات. في دعاوى المطالبة بالأجر، يفترض أن البيانات الرسمية لشركة أو بنك تكون حجة على صاحب العمل.
  • المراسلات الإلكترونية والرسائل: يجوز للمحكمة قبول المراسلات عبر البريد الإلكتروني أو المراسلات النصية والهاتفية إذا كانت ذات صلة بالدعوى. وقد نصَّ قانون الإثبات السعودي على أن «الدليل الرقمي» يشمل «المراسلات الرقمية بما فيها البريد الرقمي» و«وسائل الاتصال» المختلفة.

مثلاً، رسالة بريدية أو رسالة واتساب بين العامل وإدارته تطلب فيها أداء ساعات إضافية.

أو منحه إجازة قد تُقبل كدليل في المحكمة.

  • شهادات الشهود: يُمكن للعامل أو صاحب العمل الاستعانة بشهود (زملاء عمل أو أشخاص حضروا الواقعة) للإدلاء بشهادتهم أمام المحكمة. فالشهادة جائزة إلا ما اشترط النظام أن يكون المدخلات كتابية

(كعقود العمل التي تزيد قيمتها عن مائة ألف ريال إذا استدعى الأمر ذلك).

عمومًا تُقبَل شهادة الشهود لإثبات الوقائع المادية (مثل وقوع حادث أو وجود دوام فعلي)، خاصة حين تعذر توفر ورقة مكتوبة.

  • الوثائق العادية والأمارات: يمكن تقديم أي أوراق عادية (رسائل، مذكرات داخلية، إثباتات احتساب إجازات، أوراق ثبوتية)، وكذلك الاعتماد على قرائن قوية (كالثبوت بما لا يدع مجالاً للشك في طبيعة العلاقة الوظيفية مثلاً).

كل هذه تعدّ مقبولة للإثبات في الدعاوى العمالية ما دامت غير مخالفة للقانون وأحكام الإثبات العامة.

النظام السعودي المختص بالقضايا العمالية

في المملكة العربية السعودية، تُعالج منازعات العمل في اللجان والمحاكم العمالية المختصة.

وقد حدد نظام المرافعات الشرعية اختصاصات هذه المحاكم وشمولها ” المنازعات المتعلقة بعقود العمل والأجور والحقوق وإصابات العمل وتعويضها،

والمنازعات المتعلقة بفرض العقوبات التأديبية على العامل”

ويلتزم القضاة العُماليون بتطبيق أحكام نظام العمل السعودي ولوائحه التنفيذية عند نظر القضايا،

و من ذلك ما نُقل أعلاه عن المادة 51 من النظام والقرارات الصادرة بشأن كتابة العقد وتوثيق الإجراءات.

مكتب خالد بن عبدالله للمحاماة تقدّم لك الدعم القانوني المتخصص في القضايا العمالية، بداية من جمع الأدلة وفهم موقفك وتقييم مستنداتك، إلى تمثيلك أمام الجهات القضائية بكل مهنية واحتراف.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *